لازالت أصداء الضجة التي أثيرت حول رواية "عمارة يعقوبيان" للأديب علاء الأسواني ماثلة أمامي، خصوصا لأنها كسرت حاجز أرقام المبيعات والطبعات (أكثر من 15 طبعة حتى الآن) كما تم تحويلها إلى فيلم كبير قام ببطولته عدد لا يستهان به من نجوم السينما المصرية على رأسهم عادل إمام ونور الشريف.
يعقوبيان هي المدخل
قرأت الرواية جيدا، قرأت الكثير مما كُتب عنها، ناقشتها مع أكثر من صديق؛ أدباء ونقاد، محاولا التعرف على أسباب نجاحها الكبير، تأكدت أنها ليست "ظاهرة منفردة" كما يظن المفكر والاقتصادي الدكتور جلال أمين، وهي ليست كذلك "رديئة.. ساذجة" كما يرى الدكتور صبري حافظ. إنها في رأيي رواية جيدة، كتبت لهدف، ونجحت في الوصول إلى هذا الهدف، وساعدتها ظروف اجتماعية وثقافية وسياسية على هذا النجاح.
فالهدف الذي كتبت من أجله هو كشف الفساد السياسي الذي عانت منه مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين والذي استشرى في الحقبة الأخيرة، وكشف التدهور الاجتماعي والأخلاقي الذي توازى سقوط منحناه مع الفساد السياسي، وساعد على نجاح الرواية مباشرتها (في رأى البعض هي بساطة آسرة، وفي رأى آخرين هي سطحية ساذجة)، وانتشار الصحف المستقلة التي تتبنى خط مهاجمة السلطة بكل الوسائل، فكتبت الرواية بأسلوب قريب إلى تناول هذه الصحف، صادم، مباشر، حاد، فاضح للواقع.
عمارة يعقوبيان الرواية أو الفيلم هي المدخل الطبيعي للحديث عن رواية علاء الأسوني الجديدة "شيكاجو"، لأن الرواية الجديدة هي نسخة بالكربون من عمارة يعقوبيان وذلك على المستوى الفني، رغم اختلاف المكان والأحداث ونوعية الشخصيات في الروايتين.
في الرواية الجديدة نرى نفس سمات الرواية القديمة، التشويق، المباشرة، نمطية الشخصيات، خلطة الفساد السياسي والاجتماعي والأخلاقي، التلخيصية، الشرح المستفيض المتعالم. أضف إلى ذلك أن الكاتب يضع عينه منذ البداية على السينما مما يجعل رأى الدكتور صبري حافظ في عمارة يعقوبيان ينطبق بشكل أكبر على شيكاجو عندما يرى أنها "أقرب ما يكون إلى المعالجة المكتوبة لعمل سينمائي" منها إلى نص روائي مكتمل، حتى أنه كثيرا ما يقدم شخصياته ثم يصفها بأنها تشبه الممثل رشدي أباظة أو عارضة الأزياء ناعومي كامبل!!
التشويق والإثارة!
نجح الكاتب منذ البداية في الإمساك بقارئه، فالرواية مشوقة حقا ومثيرة، لكن ما هي العناصر التي اعتمد عليها الكاتب لينجح في ذلك؟ أول هذه العناصر استخدامه لتقنية القطع السينمائي حيث يتوقف المشهد عند لحظة فاصلة يتمنى القارئ أن يعرف ماذا سيحدث بعد ذلك، ويعود ليشبع رغبة القارئ في المعرفة في فصل تال انطلاقا من اللحظة التي توقف عندها من قبل، وهي تقنية استخدمت بنجاح في كثير من المسلسلات الأمريكية.
والعنصر الثاني هو الكثير من الجنس الذي تذخر به الرواية، ومعظمه غير مبرر فنيا من الأصل، وما له ضرورة فنية تمت وصفه باستفاضة ومباشرة غير مبررة هي الأخرى.
التلخيص والشرح
استخدم الكاتب تقنيتين متناقضتين في روايته هما التلخيص والشرح، فهو عندما يقدم مكانا في روايته لأول مرة مثل شيكاجو أو جامعة إلينوى يحرص على أن يلخص لك تاريخ المكان وبعض سماته الجغرافية، لكنه يقدم ذلك دفعة واحدة وبطريقة تعليمية تشبه الأفلام التسجيلية المتوسطة، كثير من المعلومات لا تحتاجه الرواية، كما أن المكان غير مضفر عضويا في العمل الروائي بحيث تظهر سماته تدريجيا بما يخدم أحداث الرواية.
وهو يستخدم نفس التقنية "التلخيص" في تقديمه للشخصيات، فنرى الشخصية أمامنا بكل تاريخها وسماتها الجسدية والنفسية دفعة واحدة، فلا تتطور ولا تنمو خلال مسيرتها الروائية، ولكنها تظل استاتيكية منذ البداية، وكأن المؤلف فرض عليها ذلك.
والغريب أن الكاتب يستخدم تقنية الشرح التي هي مضادة للتلخيص فيحرص على أن يشرح ويسهب في وصف التفاصيل التي لا نحتاج إليها، ويحلل نفسية الشخصيات من السطح غالبا، وذلك في عرض إنشائي غير تجسديي.
والرواية الحديثة تلجأ إلى تجسيد الحدث ومشهديته في عرض فكرتها وموضوعها وليس الحديث عن الحدث والشخصيات من الخارج، بل إن الكاتب يتوجه إلى القارئ أحيانا بحديثه فيما يبدو محاولة لكسر الحاجز بين القارئ والكاتب، لكنها محاولة غير ناجحة لأن هذا النوع من الروايات الواقعية ينجح كلما كان الإيهام كبيرا.
ترتبط بهذه التقنيات سمة أخرى أساسية في الرواية وهي تنميط الشخصيات، فالشخصيات نمطية، معظمها ستقول إنك قرأته في عمل سابق أو شاهدته في فيلم ما، حتى الشخصيات الأمريكية ينطبق عليها الرأي نفسه، شخصية الطالب المجتهد، شخصية المثقف الانتهازي، شخصية البنت الريفية في مجتمع المدينة، شخصية المثقف المتردد بين العمل الأكاديمي والعمل السياسي، شخصية الارستقراطي الذي يدعى الانخلاع من شرقيته لكن جذورها ما زالت بداخله غصبا عنه، شخصية رجل أمن الدولة السادي الذي يستخدم التعذيب والاغتصاب لقهر المساجين السياسيين إلخ.
مذكرات ناجى .. لماذا؟
تقنية جديدة استخدمها الكاتب في شيكاجو ولم يستخدمها في عمارة يعقوبيان، تعدد الأصوات، في عمارة يعقوبيان كان صوت السارد العليم هو الصوت الوحيد في الرواية، أما في شيكاجو فيظهر صوت آخر بجوار هذا السارد العليم وهو صوت ناجى عبد الصمد، ولا يوجد سبب فني واضح يجعل الكاتب يختار ناجى عبد الصمد بالذات، اللهم إلا إذا كان اشتغاله بالسياسية أو علاقته بالفتاة اليهودية "ويندى" هو السبب، والمبرر الوحيد لذلك فيما أرى هو البيان الذي كتبه المؤلف في ص6 "الصفحات والفقرات المطبوعة بالحرف الأسود المائل هي،طبق الأصل، مذكرات ناجى عبد الصمد التي كتبها أثناء الرحلة" للإيهام بالواقعية.
أما عن علاقة ناجى بويندي فهي علاقة نمطية أخرى يريد الكاتب من خلالها التأكيد على أن اليهود ليسوا جميعا صهاينة، لكن ذلك لا يظهر ذلك من خلال علاقة عمادها الوحيد تقريبا هو الجنس، فلا نعرف هل البنت متعاطفة مع العرب أم هي ضدهم أو أنها غير مهتمة أصلا إلا بناجي كشخص استطاعت أن تتوافق معه جنسيا، كما لم نرى موقفا واضحا لناجى الذي يقول أنه يكره الصهاينة، لكن ليس كل اليهود صهاينة، رغم أن أغلب يهود أمريكا يعاونون إسرائيل التي تبيد الفلسطينيين، لكنه لا يريد أن يفقد جسد ويندى، فيتحدث عن التاريخ المشترك لليهود والعرب في الأندلس والذين هم جميعا ضحية لمحاكم التفتيش، في محاولة ساذجة لخلط الأوراق تنتهي بقوله:"وهكذا يا عزيزتي.. تعرض أجدادي وأجدادك إلى الاضطهاد معا.. ممكن جدا أن نكون، أنا وأنت، حفيدين لرجل مسلم وامرأة يهودية تحابا في الأندلس"!!!
خمسة خطوط روائية
في الرواية خمسة خطوط تسير متوازية ونادرا ما تتلاقى أو تتفاعل بقوة، هي:
الأول: هو شيماء محمدي وطارق حسيب، شيماء الريفية القادمة من طنطا لتحصل على الدكتوراه من أمريكا، وطارق ابن الذوات المتفوق، يلتقيان، يتحابان، يسقطان في هوة اللذة الجنسية مع حفاظهما على عدم الوصول لمرحلة اللقاء الكامل/الزنا، لأن الله يغفر ما دون الزنا، ومع ذلك تحمل شيماء من طارق، ويتخلى عنها، وتذهب لتجهض الجنين، وبعد عملية الإجهاض تجد طارق بجوارها "تقدم خطوات حتى وقف بجوار الفراش.. تطلع إلى شيماء بنظرته المحملقة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة".
الثاني: الدكتور رأفت ثابت، ابن الأرستقراطية المصرية قبل ثورة 1952م الذي هرب إلى أمريكا، وتزوج أمريكية، وعاش حياته كأمريكي يحاول أن ينسى أصله المصري، لكنه لا يستطيع أن يملك نفسه ويتصرف كأمريكي عندما ترتبط ابنته المراهقة سارة بمدعى فن ومدمن اسمه جيف يجرها معه إلى الإدمان، يتصرف رأفت كشرقي لدرجة أنه يضرب ابنته، التي تغادر البيت بمباركة أمها ميتشل التي ترى أن ابنتها في سن من الطبيعي أن تغادر فيه البيت لتعيش مع صديقها، لكنها تموت إثر جرعة مخدر زائدة.
والثالث: هو الدكتور محمد صلاح الذي هرب من مواجهة الفساد السياسي في مصر السبعينات، لكنه لا ينسى أنه كان دائما جبانا، ويتذكر دائما شجاعة خطيبته الأولى زينب رضوان التي كانت تثور وتتظاهر وتُعتقل لكنها لا تلين أبدا، زينب لم تمت، ظلت في مصر، تزوجت وأنجبت، ووصلت إلى منصب كبير، ولم تتخل عن مبادئها، ود.صلاح يعيش أزمة نفسية كبيرة يفقد بسببها قدرته على المعاشرة الجنسية، مما يزيد من مشاكله مع زوجته الأمريكية كريس، خصوصا أنهما لم ينجبا، وعندما تأتى له الفرصة ليأخذ موقفا إيجابيا بأن يلقى بيان المصريين في شيكاجو أمام الرئيس المصري يطالبه فيه بالتخلي عن السلطة والإفراج عن المعتقلين، لا يلقى البيان، بل يحيى الرئيس على جهوده العظيمة في خدمة الشعب، وعلى إثر ذلك ينتحر د.صلاح!.
والرابع: يمثله أحمد دنانة المثقف الانتهازي الذي يشي بزملائه لدى مباحث أمن الدولة الذين يساعدونه في الحصول على ما ليس من حقه حتى الدرجات العلمية، والذي يتزوج من مروة ابنة أحد تجار الانفتاح الكبار، ويتزلف إلى صفوت شاكر رجل المخابرات في السفارة المصرية، لدرجة أن يقدم إليه زوجته لتعمل معه سكرتيرة رغم علمه بالهدف الحقيقي من وراء طلب هذا العمل، وهو يزور في نتائج أبحاثه العلمية ويتعرض للفصل من جامعة إلينوى فيطمئنه صفوت شاكر بأنه سيلحقه بجامعة أخرى.
والأخير: فهو ناجى عبد الصمد الطالب الثوري الذي لا يحصل على حقه في التعيين كمعيد بالجامعة فيرفع قضية على الحكومة المصرية، ويحاول أن يحصل على الدكتوراه من أمريكا لأن هذا سيساعده في أن يكسب القضية، كما أنه شاعر، ويريد أن يعمل بالدكتوراه عدة سنوات في دول الخليج ليكون ثروة، ثم يعود إلى مصر ويتفرغ للشعر، ومن خلال ناجى يعرض الكاتب للجانب الثوري في السياسي، فإذا كان أحمد دنانة هو العميل الانتهازي المتملق، فناجى هو الثائر الذي يضحى بكل شئ من أجل مبدأ يؤمن به، هكذا يقدمه لنا المؤلف.
لكننا نلاحظ عدم وضوح رؤيته في علاقته بويندى اليهودية، إلا أنه يعمل بجد لجمع توقيعات المصريين في شيكاجو على بيان ضد رئيس مصر في إحدى زياراته لأمريكا، ويتظاهر مع عدد لا بأس به منهم أثناء وجود الرئيس بمبنى السفارة المصرية في شيكاجو، ومعه صديقه وأستاذه الأمريكي جون جراهام نموذج شاب الستينيات الأمريكي الثوري الذي لم يتغير وصديقته السوداء كارول التي يعتبرها المؤلف فرصة جيدة ليلخص لنا ويعطينا فرصة عن مشكلة التفرقة العنصرية والزنوجة في أمريكا.
وهناك الجراح المصري القبطي الشهير د.كرم دوس الذي يتخذه المؤلف مطية ليعرض ما يتفشى في مصر من تعصب ضد الأقباط ممثلا في د.عبد الفتاح بلبع رئيس قسم الجراحة، الذي اضطر دوس لأن يغادر مصر أنه ضد أن يكون هناك جراح قبطي "لائحة الجامعة لا تُلزمنا يا خواجة.. ليس كل من يجيب على سؤالين نسمح له بأن يكون جراحا يتحكم في حياة الناس.. نحن نختار من يستحق الدرجة العلمية"-ولا تعليق على المؤلف (لاحظ استخدام كلمة خواجة التي كان يطلقها العوام في مصر على المسيحيين واليهود ولم تكن تطلق من قبيل التحقير في الغالب وإن استخدمت هنا لهذا الغرض!).
شيزوفرينيا وتبرير ديني
تبدو معظم شخصيات العمل مصابة بانفصام الشخصية، تقول شيئا وتفعل شيئا آخر، تحس بشئ، وتفكر بعكسه، الأخطر من ذلك العقلية التبريرية التي يتمتع بها عدد كبير من شخصيات العمل، تجعلهم قادرين على ارتكاب أفدح الأخطاء والمعاصي بقلوب راضية وضمائر مستريحة، فطارق وشيماء يمارسان الجنس دون الإيلاج لأن الإيلاج فقط هو الزنا الذي يستحق الرجم وما دون ذلك فهو مغفور، خصوصا أنهما ينويان الزواج عندما يعودان إلى مصر، وهما يواظبان على الصلاة وتلاوة القرآن بانتظام، هما متدينان حقا كما يقدمهما المؤلف.
وأحمد دنانة يزور في نتائج بحوثه ويؤكد أن الجامعة ستطرده لأن أستاذه دينيس بيكر متعصب ضد المسلمين والملتزمين وهو مسلم وملتزم والحمد لله، وهو يتزوج مروة لمالها ويستنزف مال أبيها، ويرى أن واجب الزوجة أن تقف بجوار زوجها إذا كان الله قد فتح عليها ورزق أبيها، رغم أنه يدخر أمواله الخاصة، ويضرب مروة لأن هذا حقه الشرعي، ويزين لمروة العمل سكرتيرة لصفوت شاكر لأن سكرتيرة مثل هذا الرجل يجب أن تكون مصرية وطنية حتى لا يجندها الأعداء ليطلعوا على أسرار مصر، رغم أنه يعرف أن صفوت شاكر يريدها مقابل إلحاقه بجامعة أخرى بعد طرده.
الغريب في الأمر أن الشخصيات التبريرية متدينة أو تدعى التدين، وتبرر أخطاءها بأدلة من الحديث الشريف والقرآن الكريم، فالنص المقدس يفقد الكثير من دلالاته وتأثيره عندما يتم استخدامه على لسان شخصية مهزوزة تبرر خطأها أو في موقف مرفوض.
يعقوبيان مصر.. فما شيكاجو؟
إذا كان المؤلف وكثير من القراء والنقاد قد اعتبروا عمارة يعقوبيان رمزا لمصر يتجسد فيها تطور المجتمع المصري خلال القرن العشرين وبالذات في نصفه الأخير؛ رغم ما في هذه الرؤية من الثقوب الواسعة، فما الذي يمكن أن تكون شيكاجو رمزا له؟ لا يمكن اعتبارها رمزا للعالم لأننا لم نر من الشخصيات فيها سوى مصريين وأمريكيين بيض وزنوج.
ولا يمكن اعتبارها رمزا للمصريين في الخارج لأن ما بها من شخصيات نمطية لا ينقل إليك إحساسا بزخم وجود مصري في شيكاجو، الأكثر من ذلك أن الرواية لو دارت في أي مكان آخر في أمريكا لما حدث فرق، ولو دارت في أوروبا لكن التغيير الوحيد الذي سيحدث فيها هو حذف قصة كارول السوداء واضطهاد البيض لها، وهي قصة محشورة بغرض الإثارة على كل حال، حيث أن كارول المسكينة عندما يضيق بها الحال تضطر لبيع جسدها بأن تعمل عارضة للملابس الداخلية بشرط ألا يظهر وجهها، فتحقق نجاحا ساحقا وتغتني بعد أن تبيع جسدها لصاحب الشركة لمرة واحدة، وعندما يحس جون بذلك يضربها ويخرج من حياتها!!
لا أظن أن النجاح المدوي لعمارة يعقوبيان أفاد الكاتب كثيرا، بل يمكن التأكيد على العكس، فقد كتب شيكاجو بروح من يستثمر نجاح الجزء الأول من فيلم أو رواية، حرص على نفس الأسلوب والسمات وطبيعة تقديم الشخصيات وبنائها، ليضمن نفس النجاح.. فهل تنجح الأجزاء الثانية المكتوبة بهذه الروح دائما؟!!